“الاجتياح المغولي لديار الإسلام” محمد شعبان أيوب

“الاجتياح المغولي لديار الإسلام” محمد شعبان أيوب

هل يمكن أن تتكرر اللحظة المغولية على ديار الإسلام؟! *

 

كان لظهور المغول واكتساحهم آسيا وأجزاء واسعة من أوروبا فاتحة عصر جديد، سُمي في الدراسات التاريخية “بعصر المغول”. ذلك العصر الذي تقهقرت فيه القوة الإسلامية في كل آسيا، ولم تمض خمسون سنة أو تنيف قليلاً على ظهورهم حتى أسقط المغول قلب الحاضرة الإسلامية بغداد، وعاصمة الخلافة التي استمرت خمسة قرون متتالية؛ تلك الفاجعة التي حلّت على الأمة في إنسانها وميراثها الثقافي والحضاري. لقد ظهر المغول على مسرح التاريخ كقوة بارزة في أواخر القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، حيث تمكن زعيمهم جنكيزخان من تأسيس أكبر إمبراطورية عالمية عرفها تاريخ البشرية في مدة خاطفة. وقد عُرف هؤلاء المغول في المصادر العربية بالتتار أو التتر، خاصة تلك المصادر التي عاصر مؤلفوها فترة ظهور المغول مثل المؤرخ عز الدين بن الأثير (ت 630هـ)، وابن العبري (ت 685هـ)، وابن الطقطقى (ت 709هـ) وغيرهم.

بالتزامن مع هذا الصعود المغولي، شهد الربع الأخير من القرن السادس الهجري، والنصف الأول من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، أحداثًا متصاعدة في مشرق العالم الإسلامي في خراسان وما وراء النهر، تلك المناطق التي كان من قدرها متاخمة المغول ومجاورتهم؛ فقد استولى الخوارزميون على ميراث السلاجقة في تلك المناطق القاصية من الدولة الإسلامية، وأضحوا منذ منتصف القرن السادس الهجري وما تلاه السادة المتحكمون الذين سرعان ما استغلوا ظروف الضعف السياسي والعسكري لجيرانهم المسلمين وغيرهم؛ بالتوسّع والتمدد شمالاً على حساب الأتراك القبجاق، وجنوبًا على حساب الغوريين، وغربًا على حساب السلاجقة وبقايا أتباعهم. بيد أن عقدتهم تمثّلت دائمًا في جهة الشرق، حيث الخطائيين وهم أتراك أقرب في عاداتهم وثقافتهم للمغول، فضلاً عن الصعود المفاجئ واللافت لقوة مغولية ساحقة جديدة تمثّلت قيادتها في جنكيز خان.

كان مسرح هذه الأحداث في إقليم خُوَارزم ومنطقة ما وراء النهر الذي يقع في أقصى شرق الخلافة العباسية، وكانت حدوده من الغرب في القرن السابع الهجري بلاد الترك الغربية، ومن الجنوب خُراسان، ومن الشرق بلاد ما وراء النهر، ومن الشمال بلاد الترك القفجاق[1].

لقد كان الجزء الشرقي من الخلافة العباسية قد أمسى بعد ضعف السلاجقة في الربع الأخير من القرن الخامس الهجري أُلعوبة في أيدي الأمراء المتغلبين من الأتراك. وقد أدت حروبهم المحلية المتواصلة إلى إلحاق الخراب والدمار وضعف القوة العسكرية في هذه المنطقة المتماسّة مع أعداء الدولة الإسلامية من القبائل التترية والخطائية وغيرها. وفي القرن الثاني عشر الميلادي تمكن الخطائيون من توسيع دائرة نفوذهم في منطقة التركستان التي هاجروا إليها، واستطاعوا أخيرًا القضاء على حكم القراخانيين الذين كانوا يحكمون هذه المنطقة[2].

[1] الفقي، عصام الدين (1999م): الدول المستقلة في المشرق الإسلامي منذ مستهل العصر العباسي حتى الغزو المغولي ص159. ويقع هذا الإقليم الآن بين أوزباكستان وتركستان.

[2] بارتولد، و (1996م): تاريخ الترك في آسيا الوسطى ص138- 141.

سلسلة تصحيح المفاهيم

*ضمن كتب وأبحاث من اشراف المفكر الدكتور جاسم سلطان

حمل الكتاب من هنا

 الاجتياح المغولي لديار الإسلام

اضغط علامة X للخروج