“التعايش الديني في مصر ” مصطفى عاشور

“التعايش الديني في مصر ” مصطفى عاشور

قراءة في دور الدولة والمجتمع *

حي مصر القديمة (أو الفسطاط) في جنوبي القاهرة شاهد على التعايش، فالحي متحف للأديان فيه تجد جامع عمرو بن العاص، أول مسجد في مصر وإفريقيا مسجد اصطف في قبلته مئات الصحابة في صلاتهم، وبالقرب منه تسع كنائس أهمها كنيسة “أبي سرجة” الأثرية التي يعتقد المسيحيون أن فيها كهفا آوت إليه السيدة مريم وابنها عيسى عليهما السلام فرار من بطش الملك اليهودي هيرودوس، ويوجد كذلك معبد عزرا اليهودي الذي يعتقد اليهود أن تابوت نبي الله موسى عليه السلام توقف عنده أمام قصر الفرعون بعدما ألقته أمه في اليم..

المسجد والكنيسة والمعبد يتجاورون ويتعايشون، ويكشف مرور أكثر من ألف عام على تجاور أحجارهم وتعايشهم وعدم طغيان حجر على حجر أن تعايش البشر كان هو الأساس والركيزة الكبرى في هذا الاستمرار، فالتعايش كان صناعة ثقيلة في مصر حافظت على التنوع، أمدته بالتواصل ليحيى ويستمر، فالاعتراف والاحترام والإخاء المتبادل صنع ثقافة واحدة وحضارة واحدة ومصالح مشتركة.

ورغم هذا التعايش الطويل، إلا أن الأزمات أخذت تضربه منذ بداية السبعينيات مع أحداث مدينة الخانكة عام 1972 التي أرخت لاحتقانات متتالية في ملف التعايش بين المسلمين والمسيحيين، ومع ثورة يناير تزايدت حالات الاحتقان وانتشر نطاقها الجغرافي، ولم تعد مقصورة على بؤرها السابقة، وتركزت أغلب الأزمات حول مسألة بناء الكنائس، وإسلام المسيحيات.

وتناسى المصريون تاريخهم الطويل في التعايش مع تلك الأزمات المستجدة، وظهرت أصوات متطرفة من الجانبين بعضها يعتبر أن مصر أرض مسيحية وأن العرب والمسلمين طارئون عليها، والآخر يريد أن يغيب حقيقة وجود المسيحية كأحد أبرز المكونات في الهوية المصرية في مسيرتها التاريخية الطويلة.

وأمام هذه الأزمات والدعوات المتطرفة أصبح سؤال التعايش على المحك، سؤال يستدعى الإجابة عليه ليس بالكلمات وحدها ولكن بالتذكر بعمق هذا التعايش الذي كادت تطمره كثافة المادة الإعلامية المنشورة على الاحتقان الطائفي، ومن هنا كانت تلك الدراسة التي نقبت في ملف التعايش على ما يقرب من ألف عام لتذكر الجميع بماضيهم الجميل المتعايش والمتسامح الذي يجب استدعائه والحفاظ عليه بل وإعادة استنباته من جديد في التربة المصرية التي أصابتها المتغيرات والآفات وهددت بأن تكون أشجار التعايش ليس مما تنبت أرضها، أو أن تكون ثمار التسامح عصية على النضج في بيئتها، لذا فهذا البحث هو فتح لأبواب التاريخ على تجربة التعايش المصرية الرائدة، التي عرفت الأزمات في مسيرتها، لكنها أزمات كانت تجد من يعالجها مبكرا، ويحول دون وقوعها مجددا.

وقد استعرض هذا البحث العلاقة بين المسيحية والإسلام على أرض مصر منذ لحظة اللقاء الأول بينهما عام (640م) تقريبا، ليكشف أن وادي النيل كان أرضا خصبة للتسامح والتعايش، أرض لم تكن مثالية في أطروحاتها للتعايش بقدر ما كانت واقعية تعترف بالاختلاف وتدبر أدوات إدارته، وترى التنوع وتحافظ على استمراره، وترى الإسلام والمسيحية يصدران من مشكاة سماوية واحدة، لذا أبدع المصريون تعايشهم –كما يكشفه البحث- من خلال بناء الهوية المشتركة وعمادها الثقافة واللغة، وقوامها المصالح المشتركة المتشابكة التي نسجت تعايشا متشابكا يصعب فك ترابطه، فاللغة العربية التي اختارها الأقباط لغة لتعبدهم ومعاملتهم مبكرا بعد اختيار واعي في الأقباط ساهم في بناء ثقافة واحدة ووجدان متقارب، وأذواق وتفضيلات حياتية متشابهة، لذا كان المصريون مصريون أولا ثم توزعوا بعد ذلك على الإسلام والمسيحية، وهو ما ساهم في غياب أزمة الهوية عن المجتمع المصري على طول تاريخه، فالجميع ذاب في هوية جامعة تضرب بجذورها في التاريخ الفرعوني والمصري القديم، ثم جاءت المصالح حيث كان الأقباط-كما يشير البحث- هم عماد الاقتصاد المصري لأكثر من (12) قرنا من الزمان إذ كانوا الصيارفة وموظفي المالية في الدولة المصرية، ومحصلو الضرائب، والعارفون بأموال المال وخزانة البلاد، لذا وقفت تلك الخبرة الطويلة المتوارثة حائط منيعا ضد أي محاولات جائرة من بعض الولاة والحكام للعدوان على الأقباط، وهنا تتجلى بوضوح مقولة المؤرخ البريطاني الكبير “ارنولد توينبي”: “مصر وثيقة من جلد الرق، الإنجيل فيها مكتوب فوق هيرودوت، وفوق ذلك القرآن، وخلف الجميع لا تزال الكتابة القديمة مقروءة جلية”.

سلسلة تصحيح المفاهيم

*ضمن كتب وأبحاث من اشراف المفكر الدكتور جاسم سلطان

حمل الكتاب من هنا

 التعايش الديني في مصر عاشور

اضغط علامة X للخروج