“العلمانية من منظور إسلامي ” د/ عبدالله القيسي

“العلمانية من منظور إسلامي ” د/ عبدالله القيسي

العلمانية من منظور إسلامي*

يعاني الخطاب العلماني في الوطن العربي من مشكلات تشابه إلى حد ما مشكلات الخطاب الإسلامي، وربما يعود ذلك إلى أن لب التفكير واحد عند كل منهما وإن اختلفت القشرة العليا، إذ سرعان ما يتحول الخطاب في بلادنا العربية إلى مظلة للصراع أكثر من كونه خطابا يرسخ حقوق الإنسان ويدعو للتعايش، وبهذا نزيد اللهب اشتعالا ونزيد حالنا تخلفا وتراجعا.

وأحد الصراعات التي برزت مؤخرا في حياتنا هو الصراع حول العلمانية والإسلام، إذ أخذ الصراع فيها طابع التمترس لا طابع البحث عن سبل التعايش، وأنا هنا لا أساوي تماما بين حجم المشكلة عند التيارين فربما كانت مشكلته عند التيار الإسلامي أكبر باعتبار اتساع نطاقه الزماني والمكاني بين الناس، وباعتبار أنه لا زال يملك سلطة ما، وربما استخدم تلك السلطة ضد خصومه فأفقدهم حق الحياة، تلك السلطة التي تتمثل في فتاوى التكفير والتحريض ضد الخصوم المخالفين له فكرا، والتي يمكن أن تدفع بأفراد أو جماعات متطرفة لارتكاب جرائمها استنادا لذلك الخطاب المتشدد.

في المقابل برزت مشكلة الخطاب العلماني في السنوات الأخيرة حين لم يقبل بالتيارات الإسلامية بكل ألوانها في السلطة عبر ملعب الديمقراطية، بادعاءات لا تستحق أن يهدم من أجلها مبدأ الديمقراطية الذي لازال في طور النشأة في بلداننا، ذلك المبدأ الذي يأتي في رأس قائمة أولوياتنا للسعي لأخذ حقوقنا المدنية والسياسية، كون هذه المجتمعات عانت من الاستبداد السياسي طوال قرون أكثر من معاناتها من أي شيء آخر، ذلك الاستبداد الذي وظف لصالحه الخطاب الديني في أوقات كثيرة، ولذا نجد في تاريخنا أن يد السياسة كانت وراء فتاوى كثيرة تضطهد الآخر المخالف وتلغي حريته.

لقد أخطأ التيار العلماني حين لم يسلّم بالديمقراطية إذا كانت ستوصل الإسلاميين للحكم، وكانت استعانته بالعسكر والقبول بالانقلابات العسكرية والتواطؤ مع دول إقليمية ودولية لتحقيق ذلك طعنة في خاصرة أحلامنا، ووصلت ذروة خطيئته حين قبل بانتهاك حقوق الإنسان لمخالفيه الإسلاميين، فتارة تشفى وتارة أيد وتارة سكت وفي كل ذلك كارثة، وأبرز مثال لذلك تأييده للانقلابين العسكريين في مصر وفي تركيا، وتأييده لما حدث من انتهاك لحقوق الإنسان عقب انقلاب مصر.

كان ذلك الخطاب الدوغمائي من الإسلاميين والعلمانيين قد أوسع الهوة في المجتمع وصنع شرخا كبيرا لست أدري كم من الزمن نحتاج لتجاوزه! إلا أن ذلك لم يكن سمة كل الخطاب الإسلامي في الساحة ولا سمة كل الخطاب العلماني كذلك، إذ بقي في كلا الفريقين خطاب عقلاني يحافظ على قيم حقوق الإنسان ويستوعب الآخر المختلف معه مهما كان فكره وتفكيره، ما دام لا يمثل اعتداء على حقوق الإنسان الأساسية. خطاب يفرح بالتقاء نقاط الاتفاق والالتقاء ويسعى للتزاوج والاحتواء لنقاط الاختلاف بدل المصادمة والمفاصلة، متنازلا عن القضايا البسيطة المختلف فيها في سبيل الحفاظ على الحقوق الأساسية لكل منها (حق الحياة وحق حرية الاختيار وحق التفكير والتعبير وحق المواطنة المتساوية)، ورغم قلة هذا النوع من الخطاب في الفريقين إلا أنه بدأ يتنامى خاصة بعد أن جعلت الأحداث الأخيرة في الوطن العربي كل شيء مكشوفا على الطاولة، فالزائف المتخفي تحت الشعارات ظهر للسطح والمدلس من وراء حجاب صار معروفا ولم ينفعه لحن القول.

ربما أجد بعض العذر في حالة التخوف والقلق عند كل فريق من أولئك أو عند جمهور لا بأس به من الطرفين، عذر سببه نقص المعرفة وأحكام مسبقة متسرعة، فالإسلامي حفظ في ذهنه نماذج سيئة لعلمانيات ديكتاتورية ظن أن العلمانية ذاتها تحارب الدين، ففي ذهنه نموذج “ستالين” وما حصل لمسلمي الاتحاد السوفيتي من إهدار للحقوق والحريات بسبب عداء الدولة للدين، وفي ذهنه نموذج “أتاتورك” الذي ألغى المظاهر الدينية في دولة كانوا يرون أنها حاملة لواء المسلمين جميعا، وفي ذهنه على المستوى العربي نموذج “بورقيبه” الذي حاول إلغاء بعض مظاهر الدين في تونس. أما العلماني العربي فيحفظ في ذهنه نماذج لدول أو جماعات تقول أنها إسلامية -كطالبان- تمارس أيضا قمع الحقوق والحريات وتهدرها، فيخاف من كل ما هو إسلامي، وربما غذى ذلك الخوف ما يجده من تنامي الهوية الطائفية والمذهبية وتصاعد تطرف جماعات العنف الدينية في العقدين الأخيرين، وللفريقين بعض الحق في ذلك القلق ولكن ليس لهم أن يجعلوه صراعا يزيد في قمع الحقوق والحريات لو كان يعقلون.

فإلى أولئك جميعا أكتب هذه الدراسة حول “العلمانية والإسلام” لنتجه مباشرة إلى نقاط الإشكال الحقيقية بينهما لفض اشتباكها، فالأمر كما وجدته من خلال رحلة بحث وقراءة في العلمانية وفي الإسلام لا يستحق أن نتمترس ونعادي ونحارب، لأنه لا يوجد ما يستحق لذلك فالعلمانية في أهم ركائزها لا تتعارض مع مقاصد الإسلام، بل إن مقاصد الإسلام تستوعب ذلك وتدعو إليه، وهذا ما سأحاول إيضاحه في هذه الدراسة التي ستعرض بشكل مبسط تعريف العلمانية وأنواعها وركائزها وسياقها التاريخي، ثم أنتقل لعرض تصور الإسلام العام لشئون الحياة مركزا على ما يتعلق بهذه القضية، ثم أقف على أحد أهم التعريفات للعلمانية وأقارن ركائزه بالفكر الإسلامي، ثم أذكر الخطوات العملية لمعالجة مشكلة صراع الديني بالسياسي (على صعيد الدستور والقانون وعلى صعيد التعليم الدراسي وعلى صعيد الخطاب الديني).

سلسلة تصحيح المفاهيم

*ضمن كتب وأبحاث من اشراف المفكر الدكتور جاسم سلطان

حمل الكتاب من هنا

العلمانية من منظور إسلامي

اضغط علامة X للخروج