خطورة التفسير العقدي للتاريخ الإسلامي “ياسين الورزادي”

خطورة التفسير العقدي للتاريخ الإسلامي “ياسين الورزادي”

 

نظرية التفسير العقدي للتاريخ الإسلامي *

إن انحراف المفاهيم خطر على استقامة الفكر، وإن تصلبها يؤدي بالضرورة إلى تصلب الفكر وجموده، وليس ثمة شيء أخطر على فكر الأمة من تحول المفاهيم على قوالب جامدة، لا تنتظر إلا أن يوضع فيها التاريخ، فيُنظَر إليه من خلالها، لأجل ذلك فإن تصويب المفاهيم يبقى إحدى أهم المشاريع الإصلاحية، وأكثرها فاعيلة في ترشيد الفكر الإسلامي وتحقيق الشهود الحضاري، فالمدخل الفكري وإن كانت نتائجه تستلزم زمنا طويلا، فإنها تكون أكثر رسوخا وأبعد أثرا على البعيد.

وفي هذا الإطار يأتي هذا البحث لينطلق من مسلّمة أساسيّة مفادها أنّ الدين ليس تجربة تاريخية نموذجية، وجب تقليدها وإعادة تكرارها بتفاصيلها في كل لحظة وحين، وإنما هو قيم ومبادئ يتم استلهامها وتمثّلها وفق ظروف ومقتضيات التطور الحضاري للأمة. ذلك أنّ الدين لا يمكن أن يحصر في تجربة معينة، لأنّه مطلق مستوعب للتجربة الإنسانية في اطلاقيتها الممتدة عبر الزمان والمكان، فما دامت المجتمعات مختلفة متعددة، فإن لكل مجتمع نموذجه في تمثل الدين وفهمه وتطبيقه، هذا النموذج – الذي يصنعه المجتمع من ذاته بناء على معطيات الواقع وضرورات التجربة التاريخية وآفاقها- يشكل كسبا تاريخيا خاصا به مصداقا لقوله تعالى (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) سورة البقرة الآية 134.

تتمحور إشكالية البحث إذن حول خطورة اعتماد التفسير العقدي للتاريخ الإسلامي لما يؤديه من ضمور للعقل المسلم في فهم حركة التاريخ، ومن تغييب للعوامل والدوافع الحقيقية التي تتحكم في صيرورته، وبالتالي عجز العقل المسلم عن مواكبة التحولات الجارية في عالمنا المعاصر، وعدم قدرته على إدراك قوانين النهوض والحضاري وسنن التاريخ، ممّا يحتّم ضرورة تجديد ونقد المفاهيم والمقولات التي انبثق من خلالها ذلك التفسير، عبر إعادته لسياقه التاريخي الذي تشكل في إطاره، وبالتالي إعادته لموقعه الطبيعي من حركة التاريخ، وذلك كله في إطار استحضار المعطيات والتحديات المعاصرة والمتعلقة بالتجاذبات القيمية الحاصلة في زمن العولمة، والكونية والتعدّديّة والحوار وصدام الحضارات ونهاية التّاريخ.

بناءً على ذلك فإنّ وجهة البحث ستركز على فحص مجموعة الأفكار، والمفاهيم، والتصورات، التي تعتمد على التفسير العقدي للتاريخ، ليس من أجل التوّقف عندها، أو إعادة تقديمها في صورة جديدة مبسطة أو عصريّة لأن ذلك لن يسعفنا في خدمة تطلّعات الفكر المعاصرة، ولكن من أجل تفكيكها ونقدها، وتقديم البدائل الممكنة عنها.

فالتفسير الّذي نقترحه في هذا الشأن يتعلّق أساسا بالانفتاح على عوامل جديدة في التدافع الحضاري تتمثّل أساسا في إدراك قوانين النهوض الحضاري وسنن التاريخ وحسن توظيفها في فهم النصّ الدّيني فهما جديدا عبر الاستفادة من العلوم الاجتماعية والإنسانيّة الحديثة، وتوظيفها لفتح آفاق أرحب وأوسع وأكثر انسجاما مع رهانات المجتمع، وتحديّات العولمة، وصراع الحضارات، وأكثر قدرة على صياغة تصّورات، ومفاهيم حول قيم حقوق الإنسان، والحرية، والتّسامح، والحوار، والتعايش المشترك بين مختلف الثّقافات والأديان.

لأجل ذلك فإن حل الإشكالية الحقيقة التي نطرحها موضوعا للبحث والدراسة يكمن في البحث عن الإطار الفلسفي التاريخي المنسجم مع السنن الإلهية, والقادر على تقديم رؤية موضوعية ومنسجمة ومتكاملة تمكننا من تفسير مسار التاريخ كما تمكننا من الكشف عن سننه ونواميسه التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الكون والحياة والتاريخ, بمنهج موضوعي ورؤية مقاصدية، مما يسهم بشكل كبير في إلقاء مزيد من الضوء على سنن التاريخ, وقوانين النهضة ويساعد على فهم الواقع وتحليل معطياته.

*سلسلة تصحيح المفاهيم

ضمن كتب وأبحاث من اشراف المفكر الدكتور جاسم سلطان

حمل الكتاب من هنا

 التفسير العقدي للتاريخ

اضغط علامة X للخروج