“من أهل ذمة إلى مواطنين ” د. امحمد جبرون

“من أهل ذمة إلى مواطنين ” د. امحمد جبرون

من أهل ذمة إلى مواطنين غير المسلمين في المجتمع الإسلامي (جدل المبدأ والتاريخ) *

د. امحمد جبرون

إن الاندماج والتقارب الإنساني الذي حصل خلال العصر الحديث، والمتمثل بعضه في تداخل الثقافات والأديان..، فرض حقائق وظروفا جديدة لم تكن موجودة في السابق، قلبت رأسا على عقب القواعد ونظم العيش التي كانت تؤطر العلاقات الإنسانية في أبعادها ومستوياتها المختلفة، وغيرت ثقافة الاجتماع وأركانه تغييرا غير مسبوق. وإذا كانت كثير من الجماعات والشعوب والدول على صعيد العالم نجحت في الانتقال والخروج من نظام العصر الوسيط وثقافته ودخلت «عصر الحداثة» بأمان، وأعادت بناء نظامها الاجتماعي والسياسي.. في ضوء حقائق العصر الجديدة، فإن بعض الجماعات الإنسانية في أنحاء العالم المختلفة لم تفلح في الخروج من أسر الثقافة الوسيطية بالرغم من الجهود التي بذلتها،[1] ولا زالت تقدم رجلا وتؤخر أخرى، وفي طليعة هذه الجماعات الجماعة الإسلامية.

إن المشروع التحديثي العربي والإسلامي الذي يفترض فيه نقل العرب والمسلمين من حال التردد بين زمنين، ووضعهم على سكة المستقبل يعاني من اختلالات كثيرة، تتجلى في العديد من المجالات والمستويات الحياتية، ومن بين أهم هذه المجالات «المختلة» مجال علاقة المسلم بغيره ممن يدين بغير الإسلام، بحيث لا زالت المراجع العامة المهيمنة على الواقع التي تضبط علاقة المسلمين بغيرهم من أهل الأديان الأخرى مراجع تقليدية، وسيطية في معظمها، لم تفد من جهود التجديد والتحديث إفادة معتبرة، فبالرغم من التطورات الحضارية الراديكالية التي عرفتها بلاد المسلمين ودولهم في القرن الأخير، فإن الكثير من المسلمين لا زالوا ينظرون إلى غير المسلمين الذين يعيشون بينهم من الناحية الثقافية والشرعية كأهل ذمة ومواطنين من الدرجة الثانية، ولا زالوا يعتبرون من تمام إسلام المرء وخيره مفاصلتهم ومعاملتهم وفق الآداب والأحكام التاريخية، التي ذكرها الفقهاء والأخلاقيون القدامى، وحتى أولئك الذين سلموا من هذه الآفة وعاملوا غير المسلمين معاملة متسامحة، افتقدوا في غالبيتهم إلى مرجع ثقافي واجتهاد فقهي رصين، الشيء الذي جعلهم يظهرون بمظهر الخارجين عن الشرع، وهو ما يؤشر على فشل فقهي – تجديدي معتبر في تسوية هذه المسألة واحتماءً بالتقليد في غياب شروطه.

إن هذا الاختلال والضعف المنهجي الذي تعاني منه مقاربات التجديد الفقهي في العصر الحديث، والتردد الذي يطبع مواقف الكثير من النخب الإسلامية في هذا المجال، هو ما يفسر بعض ظواهر الردّة الحضارية والثقافية التي تنتشر بنسب متفاوتة في عالمنا العربي والإسلامي، والتي تتخذ شكل مطالبات عنيفة بالعودة إلى نظام العصر الوسيط وشريعته، والتخلي عن كل المنجز التجديدي الفقهي الذي راكمه المسلمون على مدى قرن من الزمان تقريبا.

انطلاقا من هذا الواقع، يبدو أن إشكالية الموقف الإسلامي من الآخر الديني (أهل الذمة) ترجع من جهة إلى التحول التاريخي الكبير الذي شهده الاجتماع العربي والإسلامي في القرنين الأخيرين، وهي تحولات – كما أسلفنا – لا تنفصل عن التحولات العالمية والإنسانية العظيمة في العصر الحديث، والتي أظهرت بشكل ملموس استحالة التعايش بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل الأخرى في ضوء الموروث الفقهي والأخلاقي التقليدي؛ وترجع أيضا إلى ضعف التسويات الفقهية – التجديدية التي اجتهدت في الخروج بالعلاقة من مأزق الثقافة الوسيطية، وعجزها عن مقاومة أشكال النكوص والرجوع إلى الوراء.

[1]  الوسيطية: التي تنتسب إلى العصر الوسيط.

سلسلة تصحيح المفاهيم

*ضمن كتب وأبحاث من اشراف المفكر الدكتور جاسم سلطان

حمل الكتاب من هنا

 من أهل ذمة إلى مواطنين

اضغط علامة X للخروج